آل باحنجه: من طين ميفعة الكندية... وأصحاب الضيافة منذ قرون
- Get link
- X
- Other Apps
آل باحنجه: من طين ميفعة الكندية... وأصحاب الضيافة منذ قرون
عند الحديث عن ميفعة، تلك المدينة التي كانت يومًا عاصمة لمملكة كندة، لا يمكن إغفال اسمٍ ارتبط بالتراب والتاريخ والروحانية في آنٍ معًا، وهو آل باحنجه، إحدى العائلات التي شكّلت حجر أساس في المشهد الاجتماعي والديني للمنطقة، وبقي اسمها يتردد في المجالس منذ قرون.
إن الذين يعرفون حضرموت حق المعرفة، ويدركون أثر الزمان والمكان، يعلمون أن آل باحنجه لم يكونوا وافدين على ميفعة، بل من طينها وحجارتها، من سُكّانها الأصليين الذين استقروا فيها منذ القدم، وتوارثوا الأرض والهيبة والرأي والاعتبار.
نزل في ضيافتهم رجلٌ صالح
في عام 689 هـ، كما تتناقل الروايات المتواترة، جاء رجلٌ صالح من بلاد المغرب، وكان يسعى إلى نشر التصوف والزهد في أرجاء اليمن، فكانت ميفعة محطته، واختار أن ينزل في ضيافة آل باحنجه، لا لأنهم فقط أهل الكرم، بل لأنهم أهل المكان وأهل المقام، يُعرفون بالمروءة، ويُرجع إليهم الناس في أحوالهم.
استقبلوه، وأكرموه، وآووه، ومن حينها ارتبط اسمه بزاوية روحية أصبحت مزارًا ومقامًا، ولكن لا يخفى على المؤرخ المنصف أن المقام مقامهم، والبقعة بقعتهم، والزاوية قائمة في ديارهم وبدعمهم، ولم تكن غريبة عنهم يومًا.
الإشراف على الزاوية: واجب لا تفضّل
منذ حلول هذا الرجل الصالح، تعاقب رجال آل باحنجه على رعاية الزاوية، ليس تكلفًا، بل لأنهم أصحاب المكان، والمسؤولية تقع عليهم فطريًا بحكم المركز الاجتماعي والاحترام الذي يكنّه لهم محيطهم القبلي. وظلوا على مدى أجيالٍ محافظين على مقام الرجل، ومكرمين لذكراه، كجزء من التقاليد والأمانة الروحية التي حملوها.
جدهم المعروف: الشيخ عبدالله القنومة
ومن الأسماء التي بقيت حية في الذاكرة التاريخية للعائلة والمجتمع، اسم الشيخ عبدالله القنومة، الذي يُعد أقرب الأجداد زمنًا في الإشراف على الزاوية. ولم يكن الأول، بل سبقه رجال من "الصفات"، وهي إشارة إلى كبار السن من العائلة الذين لم تُدوَّن أسماؤهم، لكن سيرتهم بقيت حاضرة في وجدان الناس.
مكانة اعتبارية لا يُجادل فيها
ما يُميز آل باحنجه ليس فقط ارتباطهم بالمقام، بل ما أحاط بهم من مكانة اعتبارية بين القبائل، حيث كانوا يُقصَدون في الحاجات، وتُكرم كلمتهم، ويُطلب رأيهم، حتى أن بعض القبائل كانت تتوسل قربهم وتُظهر الولاء والتقرب، ليس لمالٍ أو سلطان، بل لما عرف عنهم من سكينة وهيبة، وارتباط روحي بالمكان.
اتصال بجذور كندة
إن كل من درس تاريخ ميفعة يعرف أنها كانت عاصمة دولة كندة، تلك المملكة العربية العريقة التي بزغ نجمها في جنوب الجزيرة. ويُرجّح أن آل باحنجه هم امتداد طبيعي لقبائل كندة التي استوطنت هذا الموضع، والدلائل على ذلك كثيرة: من حيث الاستقرار المتواصل في نفس الرقعة، إلى المرويات الشفوية التي تُجمع على أن نسبهم عريق ومن أهل الأرض.
ليسوا ضيوفًا... بل أصحاب الدار
من الظلم التاريخي أن يُصوَّر أهل المكان كضيوف، أو يُنسب الفضل في المقام لغيرهم ممن نزل في ضيافتهم. ولذا فإن العدل والإنصاف يحتمان أن يُذكر آل باحنجه كما كانوا: أهل الأرض، وأهل الزاوية، وأهل الموقف، ومن أكرموا الضيف الصالح المغربي فأكرمهم الله ببركته، دون أن تتغير الأدوار.
كلمة للتاريخ
ليس الهدف من هذا التوثيق مدحًا ولا فخرًا فارغًا، بل هو تسجيل للتاريخ، وتحقيق للحق، وتثبيت للوقائع كما جرت، بعيدًا عن التحريف والتزييف أو الاستنقاص الذي قد يُروّج له البعض. آل باحنجه جزء أصيل من تاريخ ميفعة، وشاهد حي على عمق الصلة بين الروح والدين والأرض
- Get link
- X
- Other Apps
Comments
Post a Comment